أبو علي سينا
248
القانون في الطب ( طبع بيروت )
هذا النوع من الصداع يسمّى بيضة وخودة لاشتماله على الرأس كله ، وهو صداع مشتمل لابث ثابت مزمن ، وتهيج صعوبته كل ساعة ولأدنى سبب من حركة ، أو شرب خمر ، أو تناول مبخر ، ويهيجه الصوت الشديد ، وربما هاجه الصوت المتوسط . حتى أن صاحبه يبغض الصوت والضوء والمخالطة مع الناس ، ويحب الوحدة والظلمة والراحة والاستلقاء . ويختلفون فيما يؤذيهم من الأسباب المذكورة ، فبعضهم يؤذيه شيء من ذلك ، وبعضهم شيء آخر ، ويحسّ كل ساعة كأنّ رأسه يطرق بمطرقة ، أو يجذب جذباً أو يشق شقاً ، ويتأدى وجعه إلى أصول العين . وجالينوس يجعل السبب الجالب لهذه العلّة ضعف الدماغ أو شدة حسه . والسبب المولّد لها خلط رديء أو ورم حار أو بارد . على أنه كثيراً ما يكون عن ورم سوداوي أو صلب وأكثر ما يكون في وسط الحجاب ، إما الخارج من القحف ، وإما الداخل ، وقد علمت أنه إذا كان السبب ورماً أو غيره إنما هو في الحجاب الداخل في القحف ، أحس الوجع ممتداً إلى العين ، لأن ذلك الغشاء يشتمل على العصمة المجوفة ، ويمتد جزء منه إلى الحدقة . وإذا كان في الحجاب الخارج أحس الوجع بمسّ اليد ، وكره صاحبه وقوع المسّ عليه بالعنف . وأكثر ما يحدث عن أمراض سبقت ، فضعف جوهر الدماغ وحجبه الداخلة والخارجة حتى صارت تتأذى بالحركات اليسيرة من حركات البدن الغذائية والبخارية والحركات الخارجة ، ويقبل الفضول المؤذية . ومن الأطباء من لا يرعى في البيضة هذه الشرائط ، بل يقول بيضة لكل وجع يشتمل على الرأس كله خارج القحف أو داخلًا كان سببه من بخارات في المعدة ، أو بخارات في الرأس أو مواد ، أو فلغموني في نفس الدماغ ، أو حجبه ، فيكون مع ثقل وضربان أو حمرة ، ويكون مع تلهب ولذع بلا كثير ثقل ، أو عن الأخلاط الأخرى إن لم تكن حمرة ، وكان ثقل وكان هناك علامات الأخلاط الباردة . ويعالج كلًا بحسبه إلا أن اسم البيضة في الحقيقة مستعمل عند المهرة من الأطباء على ما هو بالشرائط المذكورة . العلاج : إن علمت أن دماً كثيراً ، وأن سببه الأول ، أو سببه المحرّك هو الدم فصدت . وأما إن قامت الدلائل على أن الأخلاط باردة وكانت المدة طالت على العلة ، وكنت قد استعملت في الأول أيضاً ما يرح ، فاستعمل النطولات بمياه فيها محللات يسيرة مسخنة مع قمع يسير وقبض ، مثل فقاح الإذخر والبابونج والنعنع وسائر ما علمته في القانون ، وتدرج إلى القوية واستفرغ بما يليق به . واستعمال حب الصنوبر بالمصطكى مما هو نافع جداً فيه ، وتتعهده كل ثلاث ليال ، ويستعمل القوقايا في استفراغاته إن احتيج إليها وإلى القوي منها ، ثم يسقى طبيخ الخيارشنبر مع أربعة مثاقيل دهن الخروع . واعلم أنك إذا استفرغت فقد بقي لك أن تنقتي الدماغ وحجبه بالأشياء التي تقوّيه مما علمته ، ومن ذلك شمومات المسك والعنبر والكافور أيضاً يخلط بهما وربما خلطوا مع ذلك الصبر ليجمعوا مع التقوية التحليل ، وألزمه الضمادات الحارة والمخدرة